قدمت مصر للإنسانية أقدم النظم التشريعية والإدارية، فعلى ضفاف نيلها نشأت أقدم حكومة منظمة شيدت الحضارات الإنسانية العظمى. كما عرفت نظام التشريع وإصدار القوانين منذ فجر التاريخ في عهد الفراعنة، وقد شهدت مصر في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر تطورات سياسية واجتماعية هامة على مستوى الفكر والممارسة، حيث ظهر البرلمان المصري كمؤسسة سياسية في عهد محمد على مؤسس مصر الحديثة.
كانت البداية الأولى لتطور الحياة النيابية في مصر مع إنشاء "المجلس العالي"، الذي أسسه محمد على في نوفمبر1824، وكان يتكون مـن نظار الدواوين ورؤساء المصالح واثنين من الأعيان من كل مديرية يقوم أهالي المديرية بانتخابهما. ثم توالى أنشاء العديد من المجالس الأخرى، فإنشاء مجلس المشورة في عام (1829) وكان يتكون من مائة وستة وخمسين عضواً.
ويُعد مجلس شورى النواب والذي أنشأه الخديوي إسماعيل في 25 نوفمبر 1866، البداية الحقيقية للمجالس النيابية في مصر.. وتكون المجلس من 75 عضواً منتخباً من قبل الأعيان: في القاهرة، والإسكندرية، ودمياط، وعُمد البلاد ومشايخها في باقي المديريات الذين أصبحوا بدورهم منتخبين لأول مرة في عهد الخديوي إسماعيل، إضافة إلى رئيس المجلس الذي كان يُعين بأمر من الخديوي.
كانت مدة المجلس ثلاث سنوات ينعقد خلال كل سنة منها لمدة شهرين، وقد انعقد المجلس في تسعة أدوار انعقاد على مدى ثلاث هيئات نيابية، وذلك في الفترة من 25 من نوفمبر 1866 وحتى 6 من يوليو 1879.
مع مرور الوقت اتسعت صلاحيات المجلس، وبدأت تظهر نواة الاتجاهات المعارضة، وساعد على هذا التطور انتشار أفكار التنوير، إضافة إلى ظهور الصحف في ذاك الوقت مما عزز المطالبة الشعبية بإنشاء مجلس نيابي له صلاحيات تشريعية ورقابية أوسع، وانعكست هذه المطالبة عندما أنشئ أول مجلس وزراء في مصر (مجلس النظار) في عام 1878 وأعيد تشكيل البرلمان.
وفى يونيه 1879 أُعدت اللائحة الأساسية الجديدة لمجلس شورى النواب تمهيداً لعرضها على الخديوي لإصدارها، وهى اللائحة التي جعلت عدد النواب 120 نائباً عن مصر والسودان، وكان أهم ما تضمنته اللائحة؛ تقرير "المسئولية الوزارية"، ومنح سلطات أكبر للمجلس في النواحي المالية. غير أن الخديوي توفيق الذي عُين في 26 يونيو 1879، رفض اللائحة وأصدر أمراً بفض المجلس.. ولكن المجلس ظل ـ رغم ذلك ـ يعقد جلساته حتى يوليو 1879.
في 9 سبتمبر 1881، اندلعت الثورة العرابية، وكان من بين مطالبها تشكيل مجلس للنواب. وبالفعل أجريت الانتخابات لمجلس شورى النواب طبقاً لأحكام لائحة المجلس الصادرة في سنة 1866؛ انتظاراً لقيام الحكومة بإعداد مشروع قانون أساسي جديد يتم عرضه على المجلس لإقراره، وقد اُفتتح المجلس الجديد الذي سُمى "مجلس النواب المصري" في 26 ديسمبر عام 1881، وقدمت الحكومة مشروع القانون الأساسي، وصدر الأمر العالي به في 7 فبراير 1882، وجعل هذا القانون الوزارة مسئولة أمام المجلس النيابي المُنتخب من الشعب، والذي كانت له أيضاً سلطة التشريع، وحق سؤال الوزراء واستجوابهم. وأصبحت مدة مجلس النواب المصري خمس سنوات، ودور الانعقاد ثلاثة أشهر.
وهكذا أُرسيت قواعد الممارسة الديمقراطية البرلمانية في مصر على نحو تدريجي، إلا أن ذلك لم يدم طويلاً، حيث انعقد مجلس النواب المصري انعقاداً عادياً واحداً منذ 26 ديسمبر1881 وحتى 26 مارس1882، ثم قامت بريطانيا باحتلال مصر عام 1882، وألغت القانون الأساسي، وصدر في عام 1883 ما سُمى بالقانون النظامي، والذي تضمن تكوين البرلمان المصري من مجلسين هما: "مجلس شورى القوانين" و"الجمعية العمومية".
في يوليو 1913 تم إلغاء مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية، وتم إنشاء الجمعية التشريعية التي تكونت من 83 عضواً: منهم 66 عضواً منتخباً، و17 عضواً معيناً.. ونص القانون النظامي الصادر في أول يوليو 1913 على أن تكون مدة الجمعية التشريعية ست سنوات.
عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى اندلعت الثورة المصرية في عام 1919 مطالبة بالحرية والاستقلال لمصر، وإقامة حياة نيابية وديمقراطية كاملة. وقد أخذ دستور 19 أبريل 1923 بالنظام النيابي البرلماني القائم على أساس الفصل والتعاون بين السلطات.. ونُظمت العلاقة بين السلطتين.. التشريعية والتنفيذية.. على أساس مبدأ الرقابة والتوازن، كما أخذ دستور 1923 بنظام المجلسين، وهما: مجلس الشيوخ ومجلس النواب. كما أخذ بمبدأ المساواة في الاختصاص بين المجلسين كأصل عام، مع بعض الاستثناءات.